“خوك عدوك”؟.. أحسنوا الإجابة
في مقال سابق موسوم بـ “قرار شجاع سليم خير من ألف اعتدال أليم” حاولت التطرق إلى مصطلح جديد راج مباشرة أثناء ونهاية حرب لبنان الأخيرة في الساحة السياسية الدولية وهو ما يسمى بدول “الاعتدال” الذي لهجت به كثيرا ولا تزال بعض الألسن الغربية كما هامت بحبه الدول المعنية، إلا أنه لم ينطل على الشعب العربي وبل أشعره بدافع قوي للضحك حينا وبالغثيان حينا آخر. كما تطرقت كذلك إلى مدى النفاق والخداع والجبن الذي تعيش فيه أغلب الأنظمة العربية،مع نفسها، “المعتدلة” منها وغير المعتدلة حسب التصنيف الأمريكي الذي إستفاد كثيرا من مبدأ الإدارة في علوم الاقتصاد القائل بـ “ألا تضع جميع البيض في السلة الواحدة” ( ne pas mettre tous les œufs dans le même panier) . ويتضح لي يوما بعد يوم أن الأنظمة معادن كما الرجال. فهناك النظام المعتدل المرضي، والمسالم الذي “ما يضرب ما يهرب ما يقدر على فتنة توقع” والأمير المؤمن والزعيم الرعد القائد العظيم و البشير بلعنة دار بوار… إلى آخره من المعادن التي تختلف حسب الرضى والغضب الأمريكيين. أما حالها أمام الشعوب فمعدن واحد لا حاجة له لا إلى مكر ولا كذب ولا خداع ولا نفاق، تظهر فيه الأنظمة بمظهر أكثر صدقا وبلسان حال يقول: نحن جاثمون على صدوركم شئتم أم أبيتم.. وعاش الاستبداد وعشنا له !!
تلك هي الحقيقة ولا مجال لمجافاتها، كما أنها لا تحتاج إلى أن نخطها بقلم تلوين فاقع لتوكيدها. ولكن، بربكم، هل لسمحتم لي بالحديث بمنطق مغاير لما قد سبق وورد.
أطل علينا أحدهم قبل أشهر على إحدى القنوات العربية الشهيرة وهو الهادي شلوف العضو في المحكمة الجنائية الدولية يزف إلينا بشرى إمكانية محاكمة حكام عرب، ويؤكد أكثر من مرة أمام مقدم البرنامج على أن المحكمة الدولية تنظر حاليا في الأمر. شخصيا، ولا أكذبكم القول، لم يكن خبرا سارا بالنسبة لي ولم ينزل بردا وسلاما على صدري كما قد يمكن أن يكون على الكثيرين. ربما كان ذلك التداخل الذي يقع في رأسي بين الولايات المتحدة الدولة والأمم المتحدة المنظمة التي تنطوي تحت لواءها محكمة العدل الدولية هو السبب، فطالما تركت هذه المنظمة انطباعا سيئا في أذهان الكثيرين لكونها مجرد أداة لبسط سيطرة الدول الغربية وخاصة الأمريكان وبعض أحباءهم من الدول الخمس الدائمين في مجلس الأمن الدولي والذين يتحكمون في كل دواليب أجهزتها ومنظماتها الفرعية،كما نعلم جيدا أسلوبهم القميء(مع بعض الاستثناءات التي لا تبتعد كثيرا عن الخط العام في بعض الدول منهم) في استعمال حق الفيتو ضد العرب والشعب الفلسطيني لصالح إسرائيل وفي تلفيق التهم للدول المعادية لهم وتمرير التقارير المزورة والكاذبة للنيل من نظام مغضوب عليه وضال عن سياساتهم الدولية.وبكون المحكمة الدولية تعمل تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة ورغم كل ما يتداول به عن نزاهتها المزعومة فهي و بلاشك ستفي بالغرض وستُستعمل لكنس الأنظمة والحكام الذين لا يروقون لأمريكا على طريقة المحاكمة الصدامية.
عندما اطلعت على مقال للأخ أيوب المزين في افتتاحية “جريدة شباب المغرب” ثورة الكلام عنونه على ما أذكر بـ “دفاعا عن العروبة في بلاد الشام” تحدث فيه عن النظام السوري بأسلوب يؤاخذ عليه السيد رئيس التحرير ليس لأنه أدرج في عموده أي مغالطات، ولكن لإستعماله لبعض المفردات التي يمكن أن تترك انطباعات مسبقة عند القراء الذين ضاقوا ذرعا من أي نظام عربي وكيفما كان هذا النظام، لذلك كنت أتوقع مدى حدة التعليقات التي يمكن أن تصدر من بعضهم، وهم أنفسهم يؤاخذون عليها.
ليس كافيا أن تكون في الحمام تحت “دش” بارد يخمد ما في جوفك من الغل والمقت الذي تكنه للوضع العربي الراهن والأبقار المقدسة التي تسيطر عليه وتعبث برقبتك، ثم تحك قنة رأسك وفجأة تهرول منطلقا إلى الخارج وتصيح “أوريكا أوريكا.. وجدتها.. فلتسقط الأنظمة العربية ولتذهب إلى الجحيم مع أول مناسبة” دون أن تتأكد فعلا من ستر ما ووري من سوءتك من وقع الـ “أوريكا” عليك بحال يعتبر ضربا من الجنون.
فالأخ أيوب، وأنا هنا لست للدفاع عن أحد، كان صائبا في جوانب كثيرة في رأيه لأنه كما أشار “وحتى إن سلمنا بوجود ديكتاتورية في سورية، تمثلها عائلة الأسد بثروتها وجاهها، وما قد يدل عليه من الاستفتاء الانفرادي الأحادي للرئيس حتى يمدد له لفترة رئاسية جديدة، فإن البديل “الديمقراطي التعددي” غائب، ومن يدعون تمثيله ليسوا أكثر من طوابير خامسة: الأنموذج العراقي أمامنا بدمويته وتداعياته التشتيتية، أتريدون عراقاً جديدًا؟، ألا يتباكى الشعب العراقي على صدام ويتمنى عودته؟ على الأقل: يصفعني أخي على أن يهشم رأسي الغرباء…”. وربما قد تكون هنا ثورة كلام أيوب على خلفية عروبية قومية وربما بعثية إن لم أخطئ، و بغظ النظر عن أي شيء فحديثه لا غبار عليه والعبرة في حال الشعب العراقي الذي كان قد أصابته حمى “الأوريكا” على حين غرة يقول الآن: رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه !!
حُكِم صدام الشهيد وأعدِم، وما يروج من لغط الآن، منه ما صرح به السيد الهادي شلوف وإقرار مجلس الأمن للمحكمة الدولية في استشهاد الرئيس رفيق الحريري المدفوعة من كل من أمريكا وفرنسا ومن بعض أزلامهم من الرابع عشر من آذار بلبنان ومحاولات تدويل قضية دار فور وإخراجها عن النطاق العربي والإفريقي، يقول أن الدور قادم على المغضوب عليهم من طينة بشار الأسد والرئيس السوداني البشير، وبشراكم أيها العرب بعراق من المحيط إلى الخليج .
وبغياب تلك الفزاعة التي توحد الصف العربي والتي يسعى جاهدا بعض الليبراليين العرب -الذين وصفهم أحد كاتبي المقالات بـ “المارينز العرب”- إلى تخريبها، نكون نحن من قام بخدمة تاريخ أخرى للولايات المتحدة بأن إنحنينا إلى يدها الممدودة القذرة والملطخة بدمائنا و هي تقول: ” رضيت عنكم، هاكم قبّلوا اليد التي جاءتكم بالديمقراطية وخلصت رقابكم من جور إخوانكم أعدائكم”.
وما أقرب مشهد قصتنا المحيِّرة في علاقتنا مع حاكمينا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى إلى قصة لا زال يحتفظ بها تراثنا الشعبي المغربي والعربي ربما قد تساعدنا في أن نحسن الإجابة عن سر حيرتنا هذه:
كان أحدهم يتعارك مع أخيه الأكبر في الشارع وأمام الملأ، يسبه ويشتمه ويطالبه بحقوقه من الميراث، لكن الأخ الأكبر كان مستبدا بثروة أبيهما ولا يريد تقسيم الثروة بالقسط فأبى واستكبر وترك أخاه الصغير مسلما رأسه إلى ركبتيه متشردا يبكي وينوح في الشوارع والأزقة. فجاء أحدهم من أصحاب “الحسنات” وقال له بمكر:
شقيقك متجبر متسلط .. خوك عدوك.
فالتفت إليه الصغير المنكسر ونظر إليه شزرا وأجاب:
مْسُو وتشوف.
أضف تعليقا